فلسفة

بعض من فلسفة نيتشه (تمفصلات مفاهيم إرادة القوة، و الفوق-إنسان و موت الإله و العود الأبدي)

zrathostra
1-portrait-of-friedrich-nietzsche-european-school-129x200 بعض من فلسفة نيتشه (تمفصلات مفاهيم إرادة القوة، و الفوق-إنسان و موت الإله و العود الأبدي)

 

ليست إرادة القوة عند نيتشه رغبة في الهيمنة و السيطرة على الآخرين، فقط، بل هي أيضا المبدأ الأساسي للحياة. فالكائن لا يرغب في البقاء و إنما في التجاوز و النمو و تأكيد القوة. بهذا المعنى، فالواقع عند نيتشه لا يتحدد في الكائن/ الجامد، و إنما بالمتحول و بعلاقات القوة. 

لا تنفصل إرادة القوة عن مفهوم «فوق-إنسان» surhomme الذي تحرك وجوده إرادة القوة. و بدل أن يخضع للأخلاق القائمة دينيا و اجتماعيا… ينتج قيمه الخاصة. الإنسان المترفع يقول نعم للحياة حتى بما تتضمنه من معاناة و فوضى و يجسد في ذاته قوة التجاوز و إثبات قوته لا ليهيمن على الغير و إنما ليكون (..). الإنسان المترفع ضد «الإنسان الأخير» و جه الإنسانية المريح والمقتصد بدون تطلع أو تعالي، و الذي يبحث فقط عن سعادة مأمونة. 

إذن، إرادة القوة هي المحرك و «الإنسان المترفع» هو المثال بالنسبة لمن يدرك و يعي هذا المحرك  و دوره الخلاق. 

«موت الإله» مفهوم متمفصل مع مفهومي إرادة القوة و الإنسان المترفع. ترد العبارة في كتاب «العلم المرح» و «هكذا تكلم زرادشت». لا يتعلق الأمر بصرخة إلحادية بل بملاحظة درامية. يقصد بالإله هنا مختلف القيم المتعالية المؤسسة للعالم الغربي: الأخلاق المسيحية، الحقيقة المطلقة، العقل الميتافيزيقي و النظام الكوني. فالإنسان المعاصر، بفضل تقدمه العلمي و عقلانيته، أجهض هذا الاعتقاد و قد أدرك متأخرا اندثار القاعدة التي تقوم عليه أخلاقه. يعلمنا بذلك أحمق ( العلم المرح): لقد قتلنا الإله، و لم نجفف دمه بعد» 

zrathostra-1-120x200 بعض من فلسفة نيتشه (تمفصلات مفاهيم إرادة القوة، و الفوق-إنسان و موت الإله و العود الأبدي)

و ماذا بعد قتل الإله؟ 

بموت الإله يمحي الدين و كل البناء الأخلاقي المرتبط به: عالم بلا معنى، بلا أخلاق كونية، بلا غاية. إنها العدمية: يجد الإنسان نفسه في مواجهة الفراغ. فراغ لن يستطيع معظم الناس تحمله و سيخترعون أصناما جديدة (الدولة، العلم، الديموقراطية، التقدم)—و رجالا أواخر يبحثون عن سعادة صغيرة آمنة بلا أفق. 

كيف يتأتى لنا بث المعنى في العالم؟ 

بإرادة القوة. لا وجود لمعنى قبلي لأن الحياة ذاتها مجرد تأويل، إبداع، و علاقات قوة. و على الفرد أن يجعل من وجوده مشروعا لتأكيد ذاته. و الإنسان المترفع هو من يقبل بهذا الوضع بدون أن يضعف. لن يتاسف على موت الإله، و سيتحمل مسئولية إبداع قيمه الخاصة. لن يلجأ إلى قيم أخلاقية جاهزة. هو من سيقول «نعم» للحياة بما فيها من معاناة و فوضى. يقول نيتشه «يجب أن نخبر الفوضى فينا لكي تنبعث منا نجمة راقصة» (هكذا تكلم زرادشت)

يتوج النظم النيتشوي بمفهوم العود الأبدي. ماذا لو أن عفريتا يخبرك بأن جميع لحظات حياتك ستعاد على الدوام كما كانت؟ هل ستخر لتلعن العفريت أم ستغمرك السعادة؟ 

هذا هو الاختبار الأخلاقي الذي سيجد الإنسان فيه نفسه:

هذا هو الاختبار الأخلاقي الذي سيجد الإنسان فيه نفسه:

  • القبول بالعود الأبدي، و قول نعم للمعاناة، للأخطاء، لأي شيء مهمل؛ نعم للحياة. 

و بما أن الإله مات، فليس هناك معنى متعالي، لا حكم نهائي، لا وجود لحياة أخرى نبيع لأجلها هذه الحياة. العود الأبدي نتيجة جذرية لهذا الموت: 

  • لا أفق و لا غاية نهائية؛
  • الحياة ليست مسارا أو طريفا نحو شيء أسمى، إنها خالدة و عودها أبدي. 
  • لا وجود إلا لهذا العالم الذي يعود دائما. و عندما نصل و نقبل و نحب هذا العود نتجاوز العدمية. 

ليست إرادة القوة، إذن، توجها نحو حالة نهائية- خلافا لإرادة الحياة عند شوبنهاور التي تبحث عن الراحة- بل سعيا إلى الإضافة و التجاوز و الخلق. لكن: بأي معنى يدرك ذلك في مسار يعود دائما؟ 

الإنسان المترفع لا يرغب في «إضافة» توجد في عالم آخر او في مسار مستقيم، بل يبحث عن هذا العود الأبدي في ذاته و يحول  ثقل العبارة «يجب عليك» إلى عبارة « أريد». إنه حب القضاء: أن نحب عودة ما يحدث في عوده الأبدي. 

رسول نيتشه «زرادشت»، هو معلم العود الأبدي الذي خشي أتباعه اتباع «هديه»، لكن الإنسان المترفع يتحمل هذه الفكرة و يستمتع بها: « تبتغي المتعة الخلود، الخلود العميق». و في هذا يتميز « الإنسان المترفع» عن «الإنسان الأخير»، اي بقدرته على عدم الاكتفاء بسعادة زائلة، و بالرغبة في العود الأبدي لحياته بكل ما فيها من أمور عظيمة و من ألم. 

  •  
91pXYKz9ofL._SL1500_-188x300 بعض من فلسفة نيتشه (تمفصلات مفاهيم إرادة القوة، و الفوق-إنسان و موت الإله و العود الأبدي)
OIP-293x200 بعض من فلسفة نيتشه (تمفصلات مفاهيم إرادة القوة، و الفوق-إنسان و موت الإله و العود الأبدي)

o.salou72@gmail.com

مدرس فلسفة و سيكولوجيا الفن و محلل نفسي
المفرب، أكادير-ورزازات
من مواليد مكناس

Articles recommandés

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Review Your Cart
0
Add Coupon Code
Subtotal